محمد بن جرير الطبري

383

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأنه لا يلتبس على من سمع قوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أن معناه : وأشربوا في قلوبهم حب العجل ، فما الذي يدل على أن قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها لذلك نظير ؟ قيل : الذي دل على أن ذلك كذلك قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء ؛ لأَن جميعه كلام الله ، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال بعضها أفضل من بعض وبعضها خير من بعض . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يعني جل ثناؤه بقوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك وأنفع لك ولهم ، إما عاجلا في الدنيا وإما آجلا في الآخرة . أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة وشبيهه في الخفة عليك وعليهم . فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير . ومعنى قوله : قَدِيرٌ في هذا الموضع : قوي ، يقال منه : " قد قدرت على كذا وكذا " . إذا قويت عليه " أقدر عليه وأقدر عليه قدرة وقدرانا ومقدرة " . وبنو مرة من غطفان تقول : " قدرت عليه " بكسر الدال . فأما من التقدير من قول القائل : " قدرت الشيء " فإنه يقال منه : " قدرته أقدره قدرا وقدرا " . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه له ملك السماوات والأَرض حتى قيل له ذلك ؟ قيل : بلى ، فقد كان بعضهم يقول : إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك ؛ ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا ، فيقول أحدهما لصاحبه : ألم أكرمك ؟ ألم أتفضل عليك ؟ بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه ، يريد أليس قد أكرمتك ؟ أليس قد تفضلت عليك ؟ بمعنى قد علمت ذلك . قال : وهذا لا وجه له عندنا ؛ وذلك أن قوله جل ثناؤه أَ لَمْ تَعْلَمْ إنما معناه : أما علمت . وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام ، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات ، وإما بمعنى النفي . فأما بمعنى الإِثبات فذلك غير معروف في كلام العرب ، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد ؛ ولكن ذلك عندي وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنما هو معني به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه : لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا . والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه : وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم ، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأَن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه ، وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح ، أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره ، وعلى وجه الخطاب لواحد وهو يقصد به جماعة غيره ، أو جماعة والمخاطب به أحدهم ؛ وعلى وجه الخطاب للجماعة والمقصود به أحدهم ، من ذلك قول الله جل ثناؤه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ثم قال : وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فرجع إلى خطاب الجماعة ، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم . ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في